حالة تدريس وبحث العلاقات الدولية في الجامعات الخليجية بين ثلاثة مرجعيات: الدولة الوطنية، المواطن العالمي، والأمة الإسلامية

حالة تدريس وبحث العلاقات الدولية في الجامعات الخليجية بين ثلاثة مرجعيات الدولة الوطنية، المواطن العالمي، والأمة الإسلامية.

الحزم الشعبي الخليجي

الحزم الشعبي الخليجي
مشاري حمد الرويح

لا يمكن لمن يراقب رد الفعل الشعبي في دول الخليج أن يخطئ الاحساس العام بالارتياح للمجهود العسكري الذي تقوده دول الخليج ضد جماعة الحوثيين في اليمن. كذلك لايمكن للمرء أن يخطئ مدى الاختلاف حول توصيف الموقف والصراع الذي يشكل اطار هذا الجهد العسكري. فهناك من يتكلم في اطار الأزمة السياسية اليمنية وهم الأقلية, وهناك من يرى تلك العملية في اطار نزاع هيكلي اقليمي. هؤلاء ينقسمون الى قسمين الأول يتحدث عن نزاع بين العرب والفرس, والآخر عن نزاع أهل السنة والجماعة مع الشيعة وأهل البدع. بالطبع هناك تداخل بين كل تلك الأبعاد الا أن بعضها قد يكون أقرب لجوهر الصراع بينما الأبعاد الأخرى مجرد تجليات لهذا الجوهر. على سبيل المثال يرى الدكتور عبدالله النفيسي أن جوهر الموضوع هو “أن ايران احتلت عاصمة عربية في الجزيرة العربية, وليس خلاف يمني-يمني, والاحتلال لا يحله الحوار وانما يحله المقاومة”. جوهر رؤية د. النفيسي هي كلمة “احتلال” وليست ايران, أو عاصمة عربية أو حتى الجزيرة العربية. من المهم هنا أن لا نجعل ايران تفرض علينا توصيف معين للصراع ينتج عنه مواقف مستقبلية تتسم بالعصبية المذهبية والوطنية على حساب المبررات والمعايير الأخلاقية الاسلامية لاستخدام القوة والتدخل العسكري. فالأولى قد تحقق بعض من المنافع العاطفية والنفسية الجماعية قصيرة المدى بينما الأخرى تأسس لقيادة اقليمية طويلة المدى. حتى الآن طغى على الخطاب الرسمي للدول المشاركة في عملية عاصفة الحزم الرغبة في اعطاء الشرعية للعملية من خلال ميثاق جامعة الدول العربية وربطه بأمن واستقرار اليمن وجيرانه. أرى أن غطاء قيمي اسلامي قد يكون الأنسب لاعطاء هذا الجهد العسكري الغطاء بل والعمق الأخلاقي المطلوب لهذه العملية على الرغم من ادراكي بعدم جاذبية هذا الغطاء للكثيرين كونه لا يتماشى مع سرعة ايقاع الأحداث و عدم قدرته على ضبط معايير السلوك مقارنة بالقوانين والمواثيق الاقليمية والدولية كما يظن البعض. بالطبع تلك المخاوف غير صحيحة, فمدى نجاح الاطار القيمي الاسلامي لتلك المهمات يعتمد على حكمة وقدرة من يستخدمه وهو الأمر الذي أعتقد متوفر لكثير من القيادات الدينية والشعبية بل والسياسية الخليجية…أن أرادوا ذلك.
من المهم فهم أن تبني اطار قيمي اسلامي لا يعني تبني خطاب مذهبي بحت, وان كانت تلك العملية فرصة مهمة لاستعادة البعد السني كبعد مهم في هوية دول الخليج وسياساتها الخارجية, بل أن المقصود هنا بتبني اطار قيمي اسلامي هو “احتلال” الأرضية الأخلاقية الاسلامية وأن يكون لدول الخليج وحلفائهم اليد العليا في توصيف الصراع طبقاً لرؤية ومعايير اسلامية بما في ذلك سلوك ايران وحلفائها في اليمن أو غيره. من خلال اطار وخطاب قيمي اسلامي, لا يهم ان نصف الطرف الآخر ب”ايران”, “الدولة الفارسية”, “الصفويين” , “شيعة” أو غيره من تلك التوصيفات. بل المهم هو توصيف سلوك هذا الكيان ومريديه بيننا كسلوك ساقط أخلاقياً طبقاً للمعايير الاسلامية وبالتالي وصفها ب “الفئة الباغية” التي شرع الله للمسلمين قتالها حتى تفيئ لأمر الله. تلقائياً يفتح هذا الخطاب المجال للاصلاح بين الأطراف سرعان ما تفيء تلك الفئة لأمر الله لأنه طبقاً للاطار القيمي الاسلامي الذي تقدمه تلك الآية : المسملون أخوة. لكن حتى تكف ايران عن زعزعة الأمن والاستقرار في عواصم مختلفة من العالم الاسلامي, وتكف عن الوقوف مع الظالم والباغي تعصباً لمذهبها, فواجبنا نحن الخليجيين كوننا مسلمين نتبع أوامر الله سبحانه وتعالى في سياستنا الخارجية بما في ذلك استخدام القوة, أن نقاتلها ومن التف على مجتماعاته وخان أوطانه ورفع السلاح في وجه اخوانه المسلمين.
من الناحية الاخرى, هناك من يدفع بعزل المعنى والمعيار الاسلامي ليس فقط لهذه العملية بل لأي نشاط تقوم به دولة أو جيش وطني على الساحة الاقليمية. تلك الأطراف وان شاركت في عملية عاصفة الحزم مازالت تبحث, بلا جدوى, عن الحزم اما في مصادر النظام العربي العلماني القومي البائد, أو في مايسمونه بشموخ وعزة رموز الوطنية العاطفية المصطنعة حول الأبراج والمولات. ففي غياب الاسلام تحتاج القومية العربية لايدلوجية تعطيها المحتوى كما في قومية عبدالناصر, الأمر الغير متوفر الآن…حمداً لله, أما ربط الحزم بشخصيات ورموز وطنية قد ينجح في حال كان الحزم المطلوب قصير المدى ذو أهداف تفاوضية مؤقتة. أما اذا كنا نتكلم عن صراع طويل المدى قد يشهد تقلبات غير مناسبة واختيارات صعبة تحتاج عقيدة راسخة يستمد منها حزم العاصفة فان طمأنينة الاسلام هي القادرة على توفير العمق النفسي لتلك العملية.
هذا يأخذنا الى النقطة الرئيسية الأخرى التي أود عرضها للنقاش في هذا المقال القصير وهي هل تستطيع الشعوب الخليجية تقديم الحاضن الشعبي لعملية عسكرية وربما صراع عسكري اقليمي طويل المدى؟ لا يوجد خيار, ان كنا لا نستطيع يجب أن نتعلم كيفية القيام بهذا الدور…وبسرعة. حتى الآن يغلب على الأجواء خصوصاً الشبابية الاحتفال وصخب مباريات كرة القدم. تلك مشكلة كبرى, لأنه ببساطة, ان كان الارتياح متفهم الا أن الاحتفال قد يكون غير مناسب لانه في النهاية تلك عملية عسكرية ضد فئة مسلمة وان كانت باغية هنا يظهر المعيار القيمي الاسلامي مرة أخرى. أن تكون حاضن شعبي لعمل عسكري يتوجب عليك أن تتحلى بالعمق النفسي والأخلاقي والعقائدي لطمأنة صانعي القرار والجيوش بأن تحملك لتبعات الحرب غير مشروط بانك قادر على تحمل نتائج الاختيارات الصعبة بأن لا يقلق بشأنك وانك ستتحمل معهم بل وقبلهم أي تكلفة سياسية واقتصادية…الحزم يبدأ منك أنت.

الفشل الاقليمي بين القوى الخارجية والمجموعات المسلحة

تقدّم هذه الورقة محاولة لفهم حالة الصراع القائمة بين تنظيم الدولة الإسامية “داعش”
أو غيره من المجموعات المسلّحة والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من خلال
إعادة توصيف المفاهيم الرئيسة والعلاقات السببية المحيطة بالصراع. تنطلق الورقة من
فرضية “التدخّل الأجنبي يؤدّي إلى التطرّف”، وبالعكس “التطرّف يؤدّي إلى التدخّل الأجنبي”
موضحةً أنّ تلك العلاقة الترابطية التبادلية على الرغم من صحّتها تقدّم مساحة تحليلية
محدودة لفهم نمط الصراع القائم وشروط إنتاجه. ومن هنا تقدّم الورقة إعادة صوغٍ لهذه
العلاقة تضع “التدخّل الأجنبي” و”التطرّف” عناصر في إطار مفاهيمي ينتمي إلى أحد أطراف
فرضية بحثية أشمل، وهو صراع “إعادة الهيكلة الإقليمية

لقراءة الورقة كاملة اضغط على الرابط التالي

الفشل الاقليمي بين القوى الخارجية والمجموعات المسلحة

The Agency of the Muslim Researcher in Developing a Theory of Islamic Agency in International Relations

The Agency of the Muslim Researcher in Developing a Theory of Islamic Agency in International Relations (Asian Politics and Policy, Vol.7 Issue1)

Click here:
The Agency of the Muslim Researcher in Developing a Theory of Islamic Agency in International Relations

Je Suis Total

Je Suis Total
Meshari Alruwaih
The latest events in Paris have been used and abused by many in the west in variety of ways. Some used it for economic gains like the journal itself, others for political ends like the French and European conservative parties, and yet others saw it as an opportunity to confirm the western global moral and civilizational leadership. This very short post is concerned with the latter group. For them this is indeed an easy case, there you have it, a few men putting on black masks shedding blood and disturbing the peace in the city of light, freedom, and love.
Being defensive and apologetic when facing claims of civilizational and moral superiority resulting from such scenes is natural. That said, it is important to put this scene in its global, historical, and civilizational contexts. The idea is to see the properties of elements of this scene differently, not to arrive at different moral judgment, but more to shed light on the conditions of production of those events.
It is essential to commence at the foundational level and be honest about it even if this makes everyone uncomfortable. Although this does not necessarily describe everyone in the west, it is fair to say that the west as a civilizational bloc hates “God” or hates the idea of “God”. The whole idea of the existence of a creator and sustainer of life that tells you what to do and what not to do drives the west crazy. The western civilization continues to have this delusion that they are in a battle with God, prophets, and religions over the moral authority on this planet, and not only that they have won, but as “winners” they are entitled to make fun of the “losers”. This hate, arrogance, and silliness towards religion and religious figures is a constitutive feature of western civilization.
In this sense, the western civilization is a civilization of hatred, hatred towards God. In this context making fun of God, prophets, and religions is not an application of freedom of speech, rather, it’s a tool to express and let go of those collective psychological complexities towards God, prophets, and religions in general. This means that it’s not “freedom of expression” that is sacred to the west, but hatred towards God that is sacred, and “freedom of expression” is no more than a “civilized” tool to express it.
Moreover, because of the integration of this civilizational system across different sectors including politics and economics the west has at its disposal state based and institutional tools to express this attitude and disseminate its message to other cultures and civilizations, that is: “do not let God tell you what to do and what not to do, we have alternatives that we can teach you from human rights at the individual level to foreign policymaking at the international level, simply do not take him, the men he sent to you, and the message they carried over to you seriously, and why not make fun of them all If you can, it’s not a big deal”.
This western message is carried over all around the world through a mix of socialization and coercion. For more than a century the Muslim response to this invitation has been something around the lines of “If you mention my God, my prophet, or my religion again I will kick your…” more moderate Muslims would say something like “shut up, it’s none of your business”. The issue, however, is that Muslims do not have the political and economic tools only available to state based actors and agents to disseminate this response. In away modern states are organizations of, or constituted by, the institutional structure of the modern international society rather than being a corporate or institutional representations of their societies and cultures, in the Islamic world, this is clearer than any other region.
The men in black masks are Muslims who wanted to punish those who showed their disrespect to their religion and prophet in the most disgusting ways, they were however, lost in the international system with no clear collective identity, collective action, or institutional representations that can express their desires and needs, and so they took matters in their own hands. Now do not believe that Islam is a religion of peace. This is not right, Islam commands its followers to use violence when necessary. Islam, though, stresses the point that violence must be authorized and organized. This act of violence did not meet this criterion.
This does not mean that Muslims, even if were in command of their states, armies, and economic resources, would send an army every time a stupid and silly cartoon appears somewhere in the world. Yet, although a distant option, military action should not be ruled out when faced with a civilization that keeps pushing the boundaries of hate and disrespect to everything we hold sacred. Their message of hate summarized above must be challenged and responded to in the same force it’s being pushed on Muslim societies. This could involve variety of economic and political pressures to coerce the west to behave. Imagine if such coercion targets contracts with Total the French oil company and then let Total and Charlie sort things out. At the city of light, freedom, and love…I’m sure material interests will beat freedom of expression at any day.

الثقافة الاستراتيجية لدول الخليج وسلوكها نحو الصراعات الاقليمية :مبادئ أم مصالح؟

تقديم ورقتي في مؤتمر الخليج للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات-الدوحة-ديسمبر 2014

للحصول على عرض ال Power Point

اضغط على الرابط التالي:

الثقافة الاستراتيجية لدول الخليج وسلوكها نحو الصراعات الاقليمية

الكويت…مركز انساني ودار اسلام؟ نحو معيار اسلامي للتعامل مع النازحين السوريين من قبل الدول غير المجاورة لسوريا

الكويت…مركز انساني ودار اسلام؟ نحو معيار اسلامي للتعامل مع النازحين السوريين من قبل الدول غير المجاورة لسوريا
مشاري حمد الرويح
احتفلت الحكومة الكويتية وعدد لا بأس به من الكويتيين مؤخراً بما أسموه “تكريم الكويت كمركز انساني عالمي” وذلك من قبل الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون. على الرغم من الأجواء البروتوكولية المريبة والاحتفال الاعلامي المبالغ فيه الا أنه بمعايير النظام الدولي الحديث يمكن اعتبار هذا الاعتراف اعترافاً مستحقاً الى حد ما. فطبقاً لمنظمة أوكسفام الخيرية قدمت الكويت خصوصاً من خلال المجهودات و التبرعات غير الحكومية أكثر من أربع أضعاف النسبة المطلوبة منها لتخفيف معاناة اللاجئين السوريين في دول الجوار و حتى في الداخل السوري, حيث تقاس تلك النسبة من خلال حساب حجم التبرعات الى حجم الدخل القومي للدولة. أما على المستوى الرسمي فقد استضافت الكويت جولتين من مؤتمر المانحين واللتين ان لم تكن نتائجهما مبهرة إلا أنهما اعتبرا مبادرة مقبولة في هذا الاتجاه.

أن يأتي هذا التكريم من قبل الأمين العام للهيئة التي تمثل الأساس التنظيمي للمجتمع الدولي هو شهادة بأن الكويت كعضو في المجتمع الدولي قد أظهرت بعض النجاح في التعامل مع الأوضاع الإنسانية الإقليمية والتي تتمحور حول أوضاع النازحين السوريين والمساهمة في التخفيف من معاناتهم. حيث يعتمد هذا “النجاح” على المحافظة على توازن ما بين الالتزامات المنبثقة عن اتفاقيات القانون الدولي بخصوص النازحين من جهة و بين أولويات المصلحة الوطنية من جهة أخرى. كدولة وطنية في النظام الدولي الحديث فان هذا التوازن يتم التعامل معه من خلال إطار السيادة الوطنية بما في ذلك حقوق الدولة في السلطان على إقليمها و التحكم في عبور الإفراد عبر حدودها. في حالة الدول غير المجاورة لسوريا, كالكويت, فان الجغرافيا أيضاً تعطي الدولة اختيارات أكثر بما يخص المحافظة على هذا التوازن بين الواجب الأخلاقي و القانوني من جهة و بين اعتبارات المصلحة الوطنية من جهة أخرى. اختيارات غير متاحة لدول الجوار السوري كلبنان و الأردن و تركيا و التي تستضيف العدد الأكبر من النازحين السوريين. في هذا الإطار فان دول الخليج بما فيها الكويت اختارت الوسيلة الأسلم للمساهمة في المجهود الدولي للتعامل مع الشق الإنساني للأزمة السورية و هو التعامل مع الأزمة “عن بعد”. تلك الوسيلة في النهاية نجحت في انتزاع اعتراف بل و حتى تكريم من الأمين العام للأمم المتحدة.

على الرغم من ذلك فان هناك معايير أخلاقية أعلى لتقييم التعامل مع أزمة النازحين السوريين. معايير عادة ما تتجنبها الدول غير المجاورة لإقليم الصراع. تلك المعايير تخص موضوع “الدخول الإنساني” و”التوطين المؤقت” كما تسميها مفوضية الأمم المتحدة للاجئين و المنظمات غير الحكومية العاملة في أزمات النازحين. حيث أطلقت تلك الجهات نداء الى الدول غير المجاورة لسوريا لاستضافة ثلاثين ألف لاجئ سوري تحت تلك البنود وذلك في بداية العام الماضي. إلا أنه مع انتهاء العام لم يقدم أعضاء المجتمع الدولي مجتمعين سوى خمسة عشر ألف عرض تركز أغلبها في دول الاتحاد الأوروبي و التي قدمت عروض لاستضافة أكثر من عشرة ألاف لاجئ سوري تحت بندي “الدخول الإنساني” و التوطين المؤقت”. ما يهمنا هنا هو أن استجابة دول الخليج بما فيها الكويت كانت…صفر. بالطبع هناك قنوات مختلفة لدول الخليج لقبول بعض الحالات من النازحين السوريين و الغير مسجلة في مستوى الاستجابة التي تقدمه تلك الجهات. الا أنه بأي مقياس تبقى استجابة دول الخليج لهذا الاختبار الأخلاقي متواضعة جداً. فاذا نظرنا إلى موقف الكويت من دخول السوريين إلى أراضيها نجد أنه يتغير بين المنع الكامل أو الدخول المشروط الذي يخضع لقيود إدارية تجعل من عدد الحالات الممكن قبولها بعيد عن ما تقدمه العديد من الدول الأوروبية مثلاً. فبعد المنع الكامل لدخول السوريين سمحت الحكومة الكويتية بالدخول إلى الكويت من خلال آليات مثل الزيارات العائلية على أن يكون الأب و الأم مقيمين في الكويت وأن لا يتجاوز سن الأبناء خمسة عشر عاماً للذكور وثمانية عشر عاماً للإناث, أو الالتحاق بعائل والتي تقتصر على العاملين في القطاعات الحكومية ممن تتجاوز رواتبهم 650 دينار, وكذلك العاملين في المهن الطبية و الهندسية وقطاعات أساسية أخرى غير هامشية وتشمل حصراً الزوجة والأبناء ولا تتعدى ذلك إلى أشخاص آخرين.

اذا كان مقياس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين و المنظمات الغير حكومية كاشفاً لمدى تواضع مستوى استجابة دول الخليج بما فيها الكويت لنداء “الدخول الإنساني” و “التوطين المؤقت” فهناك مقياس أخلاقي آخر يكشف بشكل أكبر مدى تواضع تلك الاستجابة إلا وهو المعيار الإسلامي, حيث أقرت الشريعة الإسلامية إعطاء الأمن لملهوف فار إلى دار الإسلام من اضطهاد وظلم أو وضع سيء يمكن أن يتعرض له وذلك من خلال نظام الاستجارة, أو طلب الجوار حيث يتضمن هذا النظام عدد من المبادئ الأساسية منها: أن من يطلب منه الحماية والرعاية عليه واجب منحهما, وأن مانح الحماية لا يجوز له رد المستجير به.
على الرغم من ارتفاع مستوى المعيار الأخلاقي الإسلامي لتقييم التعامل مع النازحين يجب الإشارة إلى نقطتين, أولاً: أن نظام الاستجارة أو طلب الجوار يستهدف بشكل أكبر غير المسلمين. حيث يمكن تفسير ذلك أن فقهاء المسلمين في العصور الأولى لم يتخيلوا أن يطلب مسلم اللجوء الى احدى ديار الإسلام, مع فرضية تعدد ديار الإسلام و ليس توحدها, وأن يرفض دخوله لتلك الدار. ثانياً: أن مصطلح دار الإسلام الآن أصبح خارج الاستخدام السياسي بل وحتى الأكاديمي كأداة لتقسيم العالم بجانب دار الكفر. بل حتى أن كثيراً من العلماء المتأخرين يرون أن هذا التقسيم مجرد اجتهاد ليس له أساس في الكتاب والسنة. إلا أن مجهودات عدد من الباحثين المعاصرين كالدكتور عابد السفياني و غيره قد أثبتت بشكل واضح أن مفهوم “الدار” وإضافته إلى “الإسلام” أو “الكفر” له أساس في الكتاب و السنة. إذا نظرنا إلى التعريفات التقليدية لدار الإسلام لوجدنا أكثرها يركز على معيار “ظهور أحكام الإسلام فيها” كما يتضح من قول أبويعلى الحنبلي ” وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الإسلام دون أحكام الكفر فهي دار إسلام, وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار كفر”. على الرغم من عدم اشتراط عدد من الفقهاء على أن تكون غالبية سكان الدار من المسلمين حتى تكون دار إسلام إلا أن بعض الدراسات الحديثة قد ركزت على هذا الشرط وذلك لندرة الدول الاسلامية المطبقة للشريعة. فقد ركز على هذا الشرط مثلاً الدكتور محمد الدالي في دراسته حول الوطن و الاستيطان بالاضافة الى الدكتور رحيل غرايبة في كتابه (الجنسية في الشريعة الاسلامية). كما قدم الشيخ الغليفي تعريف أكثر معاصرة لدار الإسلام يتضمن مقاربة للدولة الحديثة بما في ذلك عنصري الاقليم والشعب.

النقطة الرئيسية إذن انه و إن كان صانعوا القرار بل وحتى شعوب دول الخليج قد أظهروا زهداً واضحاً في تعريف دارهم كدار إسلام حتى من خلال المعيار اللأقل تطلباً أي مجرد كونهم أغلبية مسلمة تقيم شعائر الاسلام على اقليمها إلا أن ذلك لا يعفيهم من التزام المعايير الإسلامية في استقبال من طلب الحماية و الرعاية من المسلمين. فهم, أي الكويتيون و الخليجيون من يتبوأ الدار والإيمان مما يجعلها على الأقل “دار مسلمين” وبالتالي يفترض أن “يحبون من هاجر إليهم” بل حتى يفترض أن ” لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا” بل و أكثر من ذلك “و يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”. يرى الدكتور أحمد أبوالوفا في دراسة مختصرة حول حقوق الاجئين في الشريعة الاسلامية أن هذه اللآية الكريمة: ( واللذين تبوؤوا الدار و الايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولائك هم المفلحون) (الحشر8 ) تضع عدد من القواعد للتعامل مع اللاجئين المسلمين, نذكر بعضها:
أولاً: اﻟﺳرور ﻻﺳﺗﻘﺑﺎﻝ اﻟﻼﺟﺋﻳن وﺣﺳــن ﻣﻌــﺎﻣﻠﺗﻬم. ﻳﺗﺿــﺢ ذﻟــك ﻣــن ﻗوﻟــﻪ ﺗﻌــﺎﻟﻰ (ﻳﺣﺑــون ﻣــن ﻫﺎﺟر إﻟﻳﻬم) وﺑﺎﻟﺗﺎﻟﻲ ﻻ ﻳﺟوز ردﻫم إﻟﻰ اﻟﺣدود أو رﻓض اﺳﺗﻘﺑﺎﻟﻬم.
ثانياً: الاحسان اليهم و الايثار نحوهم. كما يتضح من قوله تعالى (ويؤثرون على أنفسهم) والايثار هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية.
ثالثاً: عدم رفض اللاجئين أو المهاجرين ولو كان أصحاب الاقليم الذي يتم اللجوء اليه في فقر و حاجة شديدة كما يتضح من قوله تعالى (ولو كان بهم خصاصة).

نستطيع اذن أن نرى بوضوح ارتفاع المعيار الأخلاقي للتعامل مع اللاجئين: من التعامل مع أزمات اللاجئين “عن بعد”, الى معايير المنظمات غير الحكومية الخاصة بالدخول الانساني و التوطين المؤقت, و من ثم المعيار الاسلامي لتقديم الحماية و الرعاية للاجيء غير المسلم في دار الاسلام من خلال الاستجارة وطلب الجوار, انتهاءاً باظهار السرور لاستقبال الاجيء المسلم وايثار احتياجاته على احتياجات النفس حتى مع معاناة المجتمع المستقبل من الفقر و الحاجة الشديدة.
تاريخياً يعتبر نموذج المدينة واستقبالها لأهل مكة المسلمين الفارين من الاضطهاد والظلم من النماذج القليلة, أو حتى النموذج الوحيد, الذي بلغ هذا المستوى الراقي من التعامل مع اللاجئين. وبالتالي حتى نكون أكثر واقعية و انصافاً يجب أن لا نتوقع من المجتمع الكويتي أو أي مجتمع مسلم معاصر القدرة على محاكاة هذا النموذج. في نفس الوقت, يجب أيضاً أن يظل هذا النموذج هو المعيار الذي نقيس من خلاله “انسانيتنا” وألا نستبدله بمأدبة غداء وكلمة مقتضبة و شهادة تقدير من الأمين العام لمنظمة عادة ما تفشل في اختبارات انسانية و أخلاقية كثيرة.

كما أن هذا المعيار يتضمن بداخله توجيه نحو الاعتراف بوجود مشكلة, وفهم المشكلة, بل و حلها. حيث يتضح من الآية الكريمة أعلاه أن “تبوأ الدار” و “تبوأ الايمان” هما العنصران المؤثران على قدرة و قرار أهل المدينة في قبول المسلمين الفارين من مكة. بالطبع في الدولة الوطنية الحديثة فان “تبوأ الدار” شيء و”تبوأ الايمان” شيء آخر لا يجب ان يختلطان عند عمل السياسة الخارجية للدولة بما في ذلك التعامل مع حالات النازحين. مما يوضح أن المشكلة ليست مجرد مشكلة ادارية بل بالاضافة الى كونها مشكلة أخلاقية فهي مشكلة هيكلية أيضاً بمعنى أنها مشكلة تتعلق بالعلاقة بين المجتمع و السلطة الممثلة له من جهة و بين الدار أو الاقليم أو “قطعة الأرض” التي يسكنها هذا المجتمع, حيث يحكم هذه العلاقة المفهوم الحديث للسيادة الوطنية والذي بدوره لايسمح بمساحة كبيرة لتصور المجتمع لاقليمه أو لأرضه التي يسكنها من خلال حقيقة “تبوأ الايمان”. يرتبط ذلك بمستوى هيكلي أعلي و هو المستوى الدولي و الذي يعكس انحسار دار الاسلام و تمدد دار الكفر من خلال النظام الدولي الحديث. بالطبع لا يقصد هنا بتمدد دار الكفر انتشار عبادة الأصنام في الأرض مثلاً, بل يعني ان يفرض الانسان سيادته وحكمه على الأرض وأن تقسم الأرض الى ديار بين البشر طبقاً للأعراق و الوطنيات الحديثة ومن ثم تحكم الأرض و جميع الديار بحكم الانسان…الانسان صاحب السيادة.

هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الكويت أو أية دولة خليجية تحولت من دار اسلام الى دار كفر. بل يعني أن الكويتيين و الخليجيين يتعاملون مع اقليمهم و دارهم من خلال اطار مؤسسي و قانوني لا يسمح بمساحة معقولة لظهور حقيقة “تبوأهم الايمان” عند التعامل مع وضع كوضع النازحين السوريين وذلك لأن “تبوأهم الدار” محكوم بمفاهيم لا تسمح “للايمان” بالتأثير على السياسة الخارجية بما فيها التعامل مع النازحين.

بالطبع هناك مفاهيم وسيطة بين تطبيقات السياسة الخارجية من جهة و بين تصور المجتمع للاقليم, أو الدار, أو بقعة الأرض التي يفرض عليها سيادته. أحد أهم تلك المفاهيم هو مفهوم المصلحة الوطنية. هذا المفهوم و ان كان ينتمي بوضوح الى مستوى دولة, و ليس المجتمع, الا أن له جذور اجتماعية و ثقافية لا يجب اغفالها. فاذا نظرنا من خلال المنظور المعاصر للمصلحة الوطنية الى قرار أهل يثرب باستضافة الرسول صلي الله عليه وسلم و أصحابه, لكنا استنتجنا أن هذا قرار “كارثي” طبقاً لمحددات المصلحة الوطنية من أمن قومي, وعبأ اقتصادي, و حتى سلم اجتماعي. الا أن الواقع أثبت انه كان أفضل قرار في تاريخ تلك المدينة والتي تحولت الى “المدينة المنورة” بنوره و نور رسالته. المقصود هنا أن حسابات المصلحة الوطنية لا يجب أن تكون عملية ميكينيكية آداتية, ولا يجب على الباحث أن ينظر اليها كذلك. على العكس, قد يكون من الأنسب رؤية المصلحة الوطنية , على الأقل جزئياً, كنتاج للتوازن بين المصلحة الشخصية و المصلحة العامة في مجتمع ما. حيث تنتهي الآية الكريمة أعلاه ب (ومن يتق شح نفسه) وهي وسيلة وتوصية موجهة على المستوى الفردي و الجماعي معاً والتي من خلالها يمكن الاقتراب من نموذج أهل المدينة الذي تقدمه الآية.

مرة أخرى حتى نكون أكثر انصافاً, من الصعب وصف مجتمع قدم أربعة أضعاف النسبة المطلوبة من التبرعات للمساهمة في تخفيف معاناة النازحين السوريين بالشح. في نفس الوقت فان المتابع للأوضاع الخليجية الاجتماعية و أسلوب الحياة الخليجي لا يكاد يخطئ الارهاق الذي يصيب الفرد و العائلة الخليجية من مطاردة واللهث وراء مستوى معين من المظاهر المادية و التي أصبح من خلالها يتم تقييم مكانة الانسان الخليجي في مجتمعه مما يعزز من طغيان المصلحة الشخصية فوق المصلحة العامة. اذا أضفنا الى ذلك اعتماد الفرد و الأسرة الخليجية بشكل كامل تقريباً على الخدمات العامة بل والرغبة في الاستئثار بتلك الخدمات نجد تذمر مستمر من مزاحمة “الآخرين” في الاستفادة من تلك الخدمات: تذمر من المزاحمة في العمل, في المدرسة, قاعة الانتظار في المستشفى الحكومي, بل وحتى في الطريق. كل ذلك يبعث باشارات الى السلطة بتركيب “المصلحة الوطنية” بشكل يعكس تلك الرغبة الجماعية في الاستئثار بالخدمات العامة و استمرار المنافسة بين أفراد المجتمع في تبوأ أرقى المظاهر المادية. في النهاية اذن نحن من نضع أنفسنا في “خصاصة” غير ضرورية تشكل واقعنا و تأثر على مواقفنا الانسانية.