الكويت…مركز انساني ودار اسلام؟ نحو معيار اسلامي للتعامل مع النازحين السوريين من قبل الدول غير المجاورة لسوريا
مشاري حمد الرويح
احتفلت الحكومة الكويتية وعدد لا بأس به من الكويتيين مؤخراً بما أسموه “تكريم الكويت كمركز انساني عالمي” وذلك من قبل الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون. على الرغم من الأجواء البروتوكولية المريبة والاحتفال الاعلامي المبالغ فيه الا أنه بمعايير النظام الدولي الحديث يمكن اعتبار هذا الاعتراف اعترافاً مستحقاً الى حد ما. فطبقاً لمنظمة أوكسفام الخيرية قدمت الكويت خصوصاً من خلال المجهودات و التبرعات غير الحكومية أكثر من أربع أضعاف النسبة المطلوبة منها لتخفيف معاناة اللاجئين السوريين في دول الجوار و حتى في الداخل السوري, حيث تقاس تلك النسبة من خلال حساب حجم التبرعات الى حجم الدخل القومي للدولة. أما على المستوى الرسمي فقد استضافت الكويت جولتين من مؤتمر المانحين واللتين ان لم تكن نتائجهما مبهرة إلا أنهما اعتبرا مبادرة مقبولة في هذا الاتجاه.

أن يأتي هذا التكريم من قبل الأمين العام للهيئة التي تمثل الأساس التنظيمي للمجتمع الدولي هو شهادة بأن الكويت كعضو في المجتمع الدولي قد أظهرت بعض النجاح في التعامل مع الأوضاع الإنسانية الإقليمية والتي تتمحور حول أوضاع النازحين السوريين والمساهمة في التخفيف من معاناتهم. حيث يعتمد هذا “النجاح” على المحافظة على توازن ما بين الالتزامات المنبثقة عن اتفاقيات القانون الدولي بخصوص النازحين من جهة و بين أولويات المصلحة الوطنية من جهة أخرى. كدولة وطنية في النظام الدولي الحديث فان هذا التوازن يتم التعامل معه من خلال إطار السيادة الوطنية بما في ذلك حقوق الدولة في السلطان على إقليمها و التحكم في عبور الإفراد عبر حدودها. في حالة الدول غير المجاورة لسوريا, كالكويت, فان الجغرافيا أيضاً تعطي الدولة اختيارات أكثر بما يخص المحافظة على هذا التوازن بين الواجب الأخلاقي و القانوني من جهة و بين اعتبارات المصلحة الوطنية من جهة أخرى. اختيارات غير متاحة لدول الجوار السوري كلبنان و الأردن و تركيا و التي تستضيف العدد الأكبر من النازحين السوريين. في هذا الإطار فان دول الخليج بما فيها الكويت اختارت الوسيلة الأسلم للمساهمة في المجهود الدولي للتعامل مع الشق الإنساني للأزمة السورية و هو التعامل مع الأزمة “عن بعد”. تلك الوسيلة في النهاية نجحت في انتزاع اعتراف بل و حتى تكريم من الأمين العام للأمم المتحدة.

على الرغم من ذلك فان هناك معايير أخلاقية أعلى لتقييم التعامل مع أزمة النازحين السوريين. معايير عادة ما تتجنبها الدول غير المجاورة لإقليم الصراع. تلك المعايير تخص موضوع “الدخول الإنساني” و”التوطين المؤقت” كما تسميها مفوضية الأمم المتحدة للاجئين و المنظمات غير الحكومية العاملة في أزمات النازحين. حيث أطلقت تلك الجهات نداء الى الدول غير المجاورة لسوريا لاستضافة ثلاثين ألف لاجئ سوري تحت تلك البنود وذلك في بداية العام الماضي. إلا أنه مع انتهاء العام لم يقدم أعضاء المجتمع الدولي مجتمعين سوى خمسة عشر ألف عرض تركز أغلبها في دول الاتحاد الأوروبي و التي قدمت عروض لاستضافة أكثر من عشرة ألاف لاجئ سوري تحت بندي “الدخول الإنساني” و التوطين المؤقت”. ما يهمنا هنا هو أن استجابة دول الخليج بما فيها الكويت كانت…صفر. بالطبع هناك قنوات مختلفة لدول الخليج لقبول بعض الحالات من النازحين السوريين و الغير مسجلة في مستوى الاستجابة التي تقدمه تلك الجهات. الا أنه بأي مقياس تبقى استجابة دول الخليج لهذا الاختبار الأخلاقي متواضعة جداً. فاذا نظرنا إلى موقف الكويت من دخول السوريين إلى أراضيها نجد أنه يتغير بين المنع الكامل أو الدخول المشروط الذي يخضع لقيود إدارية تجعل من عدد الحالات الممكن قبولها بعيد عن ما تقدمه العديد من الدول الأوروبية مثلاً. فبعد المنع الكامل لدخول السوريين سمحت الحكومة الكويتية بالدخول إلى الكويت من خلال آليات مثل الزيارات العائلية على أن يكون الأب و الأم مقيمين في الكويت وأن لا يتجاوز سن الأبناء خمسة عشر عاماً للذكور وثمانية عشر عاماً للإناث, أو الالتحاق بعائل والتي تقتصر على العاملين في القطاعات الحكومية ممن تتجاوز رواتبهم 650 دينار, وكذلك العاملين في المهن الطبية و الهندسية وقطاعات أساسية أخرى غير هامشية وتشمل حصراً الزوجة والأبناء ولا تتعدى ذلك إلى أشخاص آخرين.

اذا كان مقياس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين و المنظمات الغير حكومية كاشفاً لمدى تواضع مستوى استجابة دول الخليج بما فيها الكويت لنداء “الدخول الإنساني” و “التوطين المؤقت” فهناك مقياس أخلاقي آخر يكشف بشكل أكبر مدى تواضع تلك الاستجابة إلا وهو المعيار الإسلامي, حيث أقرت الشريعة الإسلامية إعطاء الأمن لملهوف فار إلى دار الإسلام من اضطهاد وظلم أو وضع سيء يمكن أن يتعرض له وذلك من خلال نظام الاستجارة, أو طلب الجوار حيث يتضمن هذا النظام عدد من المبادئ الأساسية منها: أن من يطلب منه الحماية والرعاية عليه واجب منحهما, وأن مانح الحماية لا يجوز له رد المستجير به.
على الرغم من ارتفاع مستوى المعيار الأخلاقي الإسلامي لتقييم التعامل مع النازحين يجب الإشارة إلى نقطتين, أولاً: أن نظام الاستجارة أو طلب الجوار يستهدف بشكل أكبر غير المسلمين. حيث يمكن تفسير ذلك أن فقهاء المسلمين في العصور الأولى لم يتخيلوا أن يطلب مسلم اللجوء الى احدى ديار الإسلام, مع فرضية تعدد ديار الإسلام و ليس توحدها, وأن يرفض دخوله لتلك الدار. ثانياً: أن مصطلح دار الإسلام الآن أصبح خارج الاستخدام السياسي بل وحتى الأكاديمي كأداة لتقسيم العالم بجانب دار الكفر. بل حتى أن كثيراً من العلماء المتأخرين يرون أن هذا التقسيم مجرد اجتهاد ليس له أساس في الكتاب والسنة. إلا أن مجهودات عدد من الباحثين المعاصرين كالدكتور عابد السفياني و غيره قد أثبتت بشكل واضح أن مفهوم “الدار” وإضافته إلى “الإسلام” أو “الكفر” له أساس في الكتاب و السنة. إذا نظرنا إلى التعريفات التقليدية لدار الإسلام لوجدنا أكثرها يركز على معيار “ظهور أحكام الإسلام فيها” كما يتضح من قول أبويعلى الحنبلي ” وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الإسلام دون أحكام الكفر فهي دار إسلام, وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار كفر”. على الرغم من عدم اشتراط عدد من الفقهاء على أن تكون غالبية سكان الدار من المسلمين حتى تكون دار إسلام إلا أن بعض الدراسات الحديثة قد ركزت على هذا الشرط وذلك لندرة الدول الاسلامية المطبقة للشريعة. فقد ركز على هذا الشرط مثلاً الدكتور محمد الدالي في دراسته حول الوطن و الاستيطان بالاضافة الى الدكتور رحيل غرايبة في كتابه (الجنسية في الشريعة الاسلامية). كما قدم الشيخ الغليفي تعريف أكثر معاصرة لدار الإسلام يتضمن مقاربة للدولة الحديثة بما في ذلك عنصري الاقليم والشعب.

النقطة الرئيسية إذن انه و إن كان صانعوا القرار بل وحتى شعوب دول الخليج قد أظهروا زهداً واضحاً في تعريف دارهم كدار إسلام حتى من خلال المعيار اللأقل تطلباً أي مجرد كونهم أغلبية مسلمة تقيم شعائر الاسلام على اقليمها إلا أن ذلك لا يعفيهم من التزام المعايير الإسلامية في استقبال من طلب الحماية و الرعاية من المسلمين. فهم, أي الكويتيون و الخليجيون من يتبوأ الدار والإيمان مما يجعلها على الأقل “دار مسلمين” وبالتالي يفترض أن “يحبون من هاجر إليهم” بل حتى يفترض أن ” لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا” بل و أكثر من ذلك “و يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”. يرى الدكتور أحمد أبوالوفا في دراسة مختصرة حول حقوق الاجئين في الشريعة الاسلامية أن هذه اللآية الكريمة: ( واللذين تبوؤوا الدار و الايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولائك هم المفلحون) (الحشر8 ) تضع عدد من القواعد للتعامل مع اللاجئين المسلمين, نذكر بعضها:
أولاً: اﻟﺳرور ﻻﺳﺗﻘﺑﺎﻝ اﻟﻼﺟﺋﻳن وﺣﺳــن ﻣﻌــﺎﻣﻠﺗﻬم. ﻳﺗﺿــﺢ ذﻟــك ﻣــن ﻗوﻟــﻪ ﺗﻌــﺎﻟﻰ (ﻳﺣﺑــون ﻣــن ﻫﺎﺟر إﻟﻳﻬم) وﺑﺎﻟﺗﺎﻟﻲ ﻻ ﻳﺟوز ردﻫم إﻟﻰ اﻟﺣدود أو رﻓض اﺳﺗﻘﺑﺎﻟﻬم.
ثانياً: الاحسان اليهم و الايثار نحوهم. كما يتضح من قوله تعالى (ويؤثرون على أنفسهم) والايثار هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية.
ثالثاً: عدم رفض اللاجئين أو المهاجرين ولو كان أصحاب الاقليم الذي يتم اللجوء اليه في فقر و حاجة شديدة كما يتضح من قوله تعالى (ولو كان بهم خصاصة).

نستطيع اذن أن نرى بوضوح ارتفاع المعيار الأخلاقي للتعامل مع اللاجئين: من التعامل مع أزمات اللاجئين “عن بعد”, الى معايير المنظمات غير الحكومية الخاصة بالدخول الانساني و التوطين المؤقت, و من ثم المعيار الاسلامي لتقديم الحماية و الرعاية للاجيء غير المسلم في دار الاسلام من خلال الاستجارة وطلب الجوار, انتهاءاً باظهار السرور لاستقبال الاجيء المسلم وايثار احتياجاته على احتياجات النفس حتى مع معاناة المجتمع المستقبل من الفقر و الحاجة الشديدة.
تاريخياً يعتبر نموذج المدينة واستقبالها لأهل مكة المسلمين الفارين من الاضطهاد والظلم من النماذج القليلة, أو حتى النموذج الوحيد, الذي بلغ هذا المستوى الراقي من التعامل مع اللاجئين. وبالتالي حتى نكون أكثر واقعية و انصافاً يجب أن لا نتوقع من المجتمع الكويتي أو أي مجتمع مسلم معاصر القدرة على محاكاة هذا النموذج. في نفس الوقت, يجب أيضاً أن يظل هذا النموذج هو المعيار الذي نقيس من خلاله “انسانيتنا” وألا نستبدله بمأدبة غداء وكلمة مقتضبة و شهادة تقدير من الأمين العام لمنظمة عادة ما تفشل في اختبارات انسانية و أخلاقية كثيرة.

كما أن هذا المعيار يتضمن بداخله توجيه نحو الاعتراف بوجود مشكلة, وفهم المشكلة, بل و حلها. حيث يتضح من الآية الكريمة أعلاه أن “تبوأ الدار” و “تبوأ الايمان” هما العنصران المؤثران على قدرة و قرار أهل المدينة في قبول المسلمين الفارين من مكة. بالطبع في الدولة الوطنية الحديثة فان “تبوأ الدار” شيء و”تبوأ الايمان” شيء آخر لا يجب ان يختلطان عند عمل السياسة الخارجية للدولة بما في ذلك التعامل مع حالات النازحين. مما يوضح أن المشكلة ليست مجرد مشكلة ادارية بل بالاضافة الى كونها مشكلة أخلاقية فهي مشكلة هيكلية أيضاً بمعنى أنها مشكلة تتعلق بالعلاقة بين المجتمع و السلطة الممثلة له من جهة و بين الدار أو الاقليم أو “قطعة الأرض” التي يسكنها هذا المجتمع, حيث يحكم هذه العلاقة المفهوم الحديث للسيادة الوطنية والذي بدوره لايسمح بمساحة كبيرة لتصور المجتمع لاقليمه أو لأرضه التي يسكنها من خلال حقيقة “تبوأ الايمان”. يرتبط ذلك بمستوى هيكلي أعلي و هو المستوى الدولي و الذي يعكس انحسار دار الاسلام و تمدد دار الكفر من خلال النظام الدولي الحديث. بالطبع لا يقصد هنا بتمدد دار الكفر انتشار عبادة الأصنام في الأرض مثلاً, بل يعني ان يفرض الانسان سيادته وحكمه على الأرض وأن تقسم الأرض الى ديار بين البشر طبقاً للأعراق و الوطنيات الحديثة ومن ثم تحكم الأرض و جميع الديار بحكم الانسان…الانسان صاحب السيادة.

هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن الكويت أو أية دولة خليجية تحولت من دار اسلام الى دار كفر. بل يعني أن الكويتيين و الخليجيين يتعاملون مع اقليمهم و دارهم من خلال اطار مؤسسي و قانوني لا يسمح بمساحة معقولة لظهور حقيقة “تبوأهم الايمان” عند التعامل مع وضع كوضع النازحين السوريين وذلك لأن “تبوأهم الدار” محكوم بمفاهيم لا تسمح “للايمان” بالتأثير على السياسة الخارجية بما فيها التعامل مع النازحين.

بالطبع هناك مفاهيم وسيطة بين تطبيقات السياسة الخارجية من جهة و بين تصور المجتمع للاقليم, أو الدار, أو بقعة الأرض التي يفرض عليها سيادته. أحد أهم تلك المفاهيم هو مفهوم المصلحة الوطنية. هذا المفهوم و ان كان ينتمي بوضوح الى مستوى دولة, و ليس المجتمع, الا أن له جذور اجتماعية و ثقافية لا يجب اغفالها. فاذا نظرنا من خلال المنظور المعاصر للمصلحة الوطنية الى قرار أهل يثرب باستضافة الرسول صلي الله عليه وسلم و أصحابه, لكنا استنتجنا أن هذا قرار “كارثي” طبقاً لمحددات المصلحة الوطنية من أمن قومي, وعبأ اقتصادي, و حتى سلم اجتماعي. الا أن الواقع أثبت انه كان أفضل قرار في تاريخ تلك المدينة والتي تحولت الى “المدينة المنورة” بنوره و نور رسالته. المقصود هنا أن حسابات المصلحة الوطنية لا يجب أن تكون عملية ميكينيكية آداتية, ولا يجب على الباحث أن ينظر اليها كذلك. على العكس, قد يكون من الأنسب رؤية المصلحة الوطنية , على الأقل جزئياً, كنتاج للتوازن بين المصلحة الشخصية و المصلحة العامة في مجتمع ما. حيث تنتهي الآية الكريمة أعلاه ب (ومن يتق شح نفسه) وهي وسيلة وتوصية موجهة على المستوى الفردي و الجماعي معاً والتي من خلالها يمكن الاقتراب من نموذج أهل المدينة الذي تقدمه الآية.

مرة أخرى حتى نكون أكثر انصافاً, من الصعب وصف مجتمع قدم أربعة أضعاف النسبة المطلوبة من التبرعات للمساهمة في تخفيف معاناة النازحين السوريين بالشح. في نفس الوقت فان المتابع للأوضاع الخليجية الاجتماعية و أسلوب الحياة الخليجي لا يكاد يخطئ الارهاق الذي يصيب الفرد و العائلة الخليجية من مطاردة واللهث وراء مستوى معين من المظاهر المادية و التي أصبح من خلالها يتم تقييم مكانة الانسان الخليجي في مجتمعه مما يعزز من طغيان المصلحة الشخصية فوق المصلحة العامة. اذا أضفنا الى ذلك اعتماد الفرد و الأسرة الخليجية بشكل كامل تقريباً على الخدمات العامة بل والرغبة في الاستئثار بتلك الخدمات نجد تذمر مستمر من مزاحمة “الآخرين” في الاستفادة من تلك الخدمات: تذمر من المزاحمة في العمل, في المدرسة, قاعة الانتظار في المستشفى الحكومي, بل وحتى في الطريق. كل ذلك يبعث باشارات الى السلطة بتركيب “المصلحة الوطنية” بشكل يعكس تلك الرغبة الجماعية في الاستئثار بالخدمات العامة و استمرار المنافسة بين أفراد المجتمع في تبوأ أرقى المظاهر المادية. في النهاية اذن نحن من نضع أنفسنا في “خصاصة” غير ضرورية تشكل واقعنا و تأثر على مواقفنا الانسانية.

 

Advertisements