الحزم الشعبي الخليجي
مشاري حمد الرويح

لا يمكن لمن يراقب رد الفعل الشعبي في دول الخليج أن يخطئ الاحساس العام بالارتياح للمجهود العسكري الذي تقوده دول الخليج ضد جماعة الحوثيين في اليمن. كذلك لايمكن للمرء أن يخطئ مدى الاختلاف حول توصيف الموقف والصراع الذي يشكل اطار هذا الجهد العسكري. فهناك من يتكلم في اطار الأزمة السياسية اليمنية وهم الأقلية, وهناك من يرى تلك العملية في اطار نزاع هيكلي اقليمي. هؤلاء ينقسمون الى قسمين الأول يتحدث عن نزاع بين العرب والفرس, والآخر عن نزاع أهل السنة والجماعة مع الشيعة وأهل البدع. بالطبع هناك تداخل بين كل تلك الأبعاد الا أن بعضها قد يكون أقرب لجوهر الصراع بينما الأبعاد الأخرى مجرد تجليات لهذا الجوهر. على سبيل المثال يرى الدكتور عبدالله النفيسي أن جوهر الموضوع هو “أن ايران احتلت عاصمة عربية في الجزيرة العربية, وليس خلاف يمني-يمني, والاحتلال لا يحله الحوار وانما يحله المقاومة”. جوهر رؤية د. النفيسي هي كلمة “احتلال” وليست ايران, أو عاصمة عربية أو حتى الجزيرة العربية. من المهم هنا أن لا نجعل ايران تفرض علينا توصيف معين للصراع ينتج عنه مواقف مستقبلية تتسم بالعصبية المذهبية والوطنية على حساب المبررات والمعايير الأخلاقية الاسلامية لاستخدام القوة والتدخل العسكري. فالأولى قد تحقق بعض من المنافع العاطفية والنفسية الجماعية قصيرة المدى بينما الأخرى تأسس لقيادة اقليمية طويلة المدى. حتى الآن طغى على الخطاب الرسمي للدول المشاركة في عملية عاصفة الحزم الرغبة في اعطاء الشرعية للعملية من خلال ميثاق جامعة الدول العربية وربطه بأمن واستقرار اليمن وجيرانه. أرى أن غطاء قيمي اسلامي قد يكون الأنسب لاعطاء هذا الجهد العسكري الغطاء بل والعمق الأخلاقي المطلوب لهذه العملية على الرغم من ادراكي بعدم جاذبية هذا الغطاء للكثيرين كونه لا يتماشى مع سرعة ايقاع الأحداث و عدم قدرته على ضبط معايير السلوك مقارنة بالقوانين والمواثيق الاقليمية والدولية كما يظن البعض. بالطبع تلك المخاوف غير صحيحة, فمدى نجاح الاطار القيمي الاسلامي لتلك المهمات يعتمد على حكمة وقدرة من يستخدمه وهو الأمر الذي أعتقد متوفر لكثير من القيادات الدينية والشعبية بل والسياسية الخليجية…أن أرادوا ذلك.
من المهم فهم أن تبني اطار قيمي اسلامي لا يعني تبني خطاب مذهبي بحت, وان كانت تلك العملية فرصة مهمة لاستعادة البعد السني كبعد مهم في هوية دول الخليج وسياساتها الخارجية, بل أن المقصود هنا بتبني اطار قيمي اسلامي هو “احتلال” الأرضية الأخلاقية الاسلامية وأن يكون لدول الخليج وحلفائهم اليد العليا في توصيف الصراع طبقاً لرؤية ومعايير اسلامية بما في ذلك سلوك ايران وحلفائها في اليمن أو غيره. من خلال اطار وخطاب قيمي اسلامي, لا يهم ان نصف الطرف الآخر ب”ايران”, “الدولة الفارسية”, “الصفويين” , “شيعة” أو غيره من تلك التوصيفات. بل المهم هو توصيف سلوك هذا الكيان ومريديه بيننا كسلوك ساقط أخلاقياً طبقاً للمعايير الاسلامية وبالتالي وصفها ب “الفئة الباغية” التي شرع الله للمسلمين قتالها حتى تفيئ لأمر الله. تلقائياً يفتح هذا الخطاب المجال للاصلاح بين الأطراف سرعان ما تفيء تلك الفئة لأمر الله لأنه طبقاً للاطار القيمي الاسلامي الذي تقدمه تلك الآية : المسملون أخوة. لكن حتى تكف ايران عن زعزعة الأمن والاستقرار في عواصم مختلفة من العالم الاسلامي, وتكف عن الوقوف مع الظالم والباغي تعصباً لمذهبها, فواجبنا نحن الخليجيين كوننا مسلمين نتبع أوامر الله سبحانه وتعالى في سياستنا الخارجية بما في ذلك استخدام القوة, أن نقاتلها ومن التف على مجتماعاته وخان أوطانه ورفع السلاح في وجه اخوانه المسلمين.
من الناحية الاخرى, هناك من يدفع بعزل المعنى والمعيار الاسلامي ليس فقط لهذه العملية بل لأي نشاط تقوم به دولة أو جيش وطني على الساحة الاقليمية. تلك الأطراف وان شاركت في عملية عاصفة الحزم مازالت تبحث, بلا جدوى, عن الحزم اما في مصادر النظام العربي العلماني القومي البائد, أو في مايسمونه بشموخ وعزة رموز الوطنية العاطفية المصطنعة حول الأبراج والمولات. ففي غياب الاسلام تحتاج القومية العربية لايدلوجية تعطيها المحتوى كما في قومية عبدالناصر, الأمر الغير متوفر الآن…حمداً لله, أما ربط الحزم بشخصيات ورموز وطنية قد ينجح في حال كان الحزم المطلوب قصير المدى ذو أهداف تفاوضية مؤقتة. أما اذا كنا نتكلم عن صراع طويل المدى قد يشهد تقلبات غير مناسبة واختيارات صعبة تحتاج عقيدة راسخة يستمد منها حزم العاصفة فان طمأنينة الاسلام هي القادرة على توفير العمق النفسي لتلك العملية.
هذا يأخذنا الى النقطة الرئيسية الأخرى التي أود عرضها للنقاش في هذا المقال القصير وهي هل تستطيع الشعوب الخليجية تقديم الحاضن الشعبي لعملية عسكرية وربما صراع عسكري اقليمي طويل المدى؟ لا يوجد خيار, ان كنا لا نستطيع يجب أن نتعلم كيفية القيام بهذا الدور…وبسرعة. حتى الآن يغلب على الأجواء خصوصاً الشبابية الاحتفال وصخب مباريات كرة القدم. تلك مشكلة كبرى, لأنه ببساطة, ان كان الارتياح متفهم الا أن الاحتفال قد يكون غير مناسب لانه في النهاية تلك عملية عسكرية ضد فئة مسلمة وان كانت باغية هنا يظهر المعيار القيمي الاسلامي مرة أخرى. أن تكون حاضن شعبي لعمل عسكري يتوجب عليك أن تتحلى بالعمق النفسي والأخلاقي والعقائدي لطمأنة صانعي القرار والجيوش بأن تحملك لتبعات الحرب غير مشروط بانك قادر على تحمل نتائج الاختيارات الصعبة بأن لا يقلق بشأنك وانك ستتحمل معهم بل وقبلهم أي تكلفة سياسية واقتصادية…الحزم يبدأ منك أنت.

Advertisements